كان عندنا بيت..

كتبها : نحوكِـ في الجمعة، 21 مايو 2010 | 0 التعليقات



جاءت الجدة مستندة عكازها الخشبي القديم .. و جلست :

أيا بني هلم هلم , حان موعد حكاية المساء ..

سأحكي لك اليوم حكاية أصبحت من الخيال
سأحكي لك حكاية :"كان"
كان يا مكان في قديم الزمان و سالف العصر والأوان ,
كان عندنا بيت فيه الجد و العم و الخالة ..

و شجرة عنب قديمة , اذا سألتها ستحكي لك مجد صلاح الدين
عكس صغيرتنا اذا سألتها ستجيبك بـ : صمت سكوت و عار.!
يال العار.. يال العار!

و نوافذ بيتنا الصغير تطل على الكروم الخضراء,, حتى الأفق
عكس نوافذكم تطل الآن على بيت الجيران!

- أيا جدتي , ماذا بعد؟-


آهٍ لحبات البرتقال الحلوة عندما كان السهل و الوادي يعمر
آهٍ عندما كنا اخوة
و كان شيخ قريتنا يشرح عصرًا سورة العصر للأطفال في "الكُتاب"- مثل المسجد-
كان عندنا حقل نصفه زيتون ونصفه الآخر ليمون
وقتها كنا نجني محصولنا معًا أنا و جدك!

كانت حجرتنا من طين يضيئها سراج أصفر خافت , وعند الفجر نقوم كلنا ..
كان عندي صندوق من خشب تمامًا كعكازي هذه..كانت به صورة أبي مع بضع جنيهات تحمل هويتنا - ليتني أراهم عوضا عن شواقلكم الكريهة-

وحريتنا التي تمرح في مزارع قرانا في البحر في المنبع ..

- أيا جدتي , ماذا بعد؟-

مشاكلنا الصغيرة تصفط , والكبيرة تصفط يوم جاؤوا ,, حرق حقلنا كقلبي الآن
و تحت الزيتونة مات جدك , وقت أخذوا بيتنا بالمدفع
صرنا نمشي ونمشي .. حين تلاشت القرية تذكرت صندوقي الخشبي وجدك!

بعد حقولنا صرنا نشحد..
العم وصل الكويت والخالة صارت في السويد,

أما أنا مع مفتاح بيتنا بقيت هنا في المخيم
أتحسر لو لم أرحل!

أيا بني , خذه بقوة ..
أنا أحكي لك الحكاية لا لتنام بل لأن أحلك أوقات الليل ما يسبق الفجر ,
نحن جذر في عمق هذه الأرض منذ الأزل!

خذ المفتاح و امحِ "كان " بـ "عاد "... .

.
.

62 عام
15/5/1948

.
.
بالهمة سنعود
.
.
بقلم : أماني حسين.